صناعة السعادة: قراءة نقدية
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Thursday, 18-Jun-2026 06:39

قد يقع في ظنون الناس أنّه يكفي أن يُقال: «فلان يعيش في سعادة وهي غايته النهائية!». وهذا يُجزي ويُغني لإزالة الشك وإبطاله بوجود ما يُنَغّص عيشَه ويُكدره، ومن بَعْدُ لا حاجة لمعرفة من أين تأتي تلك السعادة ولا أن تُرفع الستارة عن دروب المشقة والتعب في سبيل ذلك. علماً أنّه ليس كل مَن دنا من أبواب السعادة فُتِحت له؛ إذ يمكن أن تبقى موصدة بإحكام في وجه هذا، أو تفتح على استحياء أمام ذاك، أو تكون مشرَّعة على مصاريعها لذلك على اتساعها.

وأمر آخر - ليس ببعيد عمّا نحن بصدده - وهو أنّك ترى الناس، وما أكثرهم، يحسبون تَتَبُّعَ السعادة والنظر في أصنافها ضرباً من ضروب الذكاء والحكمة الرشيدة. وهذا ما يعلمه الجميع على كل حال، ولا نحتاج معه إلى فكر زائد على المقدار المطلوب لتبيانه. ولكن ما إن نُزيح الغطاء عن اللحظات التي نحسبها سعيدة ونروح نجول بين أرجائها، سرعان ما تتكشف - أحايين كثيرة - عن غير طائل أو قل عن جهد في غير تحصيل مضمون.
وكي لا يبدو كلامنا مشوَّه الصورة أو ناقص الحسن والدلالة، نُحيلك إلى النيات الخفية للشركات الكبرى - التي لها ذكر مُشاع في عالم الأزياء ومستحضرات التجميل وأساليب التنحيف وإعادة هيكلة طول الفرد وعرضه على مقاسات مصطنعة - لا يُعرف لها شكل معهود ولا هيئة مقبولة، إلى أن يَعْظُمَ التفاوت ويشتد بين مَن كنّا نعرف من الناس ومَن علينا أن نتعرَّف عليه نفسه ثانية! ولو رُمْتَ البحث عن تفصيل مشترك بينهما عَسُرَ عليك ذلك.
وإذا كان هذا هكذا، عَلِمْتَ أنّها (الشركات) تبرع في تحويل المشاعر الإنسانية والخلجات الوجدانية الصادقة إلى منتجات مادية وسلع ترويجية تُباع وتُشترى. وما هذا إلّا عن حِرَفية عالية ومهارة لا تجاريها مهارة من أي نوع، وكأنّهما (الحرفية والمهارة) خَرَجَتَا من تحت يد صانع ماهر حاذق. إذاً، هذا شأن بالغ الأهمّية وما علينا ههنا، سوى الاتكاء على النقد الموضوعي، لنضع حكمنا وَضْعَ مَن يقيس الادّعاء على أصل متفق عليه ومعترف به؛ بعيداً عن النوازع الفردية والخلفيات السياسية والاقتصادية والشعارات الفارغة الجوفاء. واعلم أنّه إذا ما أريد شيء غير ذلك لم يستقم!
وعليه، ينبغي أن لا تُقاس السعادة قياساً كمّياً، بأدوات صمّاء لا نبض فيها ولا حراك، بغية ربط الرضا والتوازن النفسي للعامل مثلاً، بمؤشرات الأداء والإنتاجية خدمة لهذه الشركة أو تلك. وهذا الربط الذي أشرنا إليه للتو، لا يُرى بالعين المجرّدة ولا بالاستعانة بالبصيرة النافذة، ومحالٌ أن يكون معلوماً لدى الإنسان العادي، لأنّه غير ظاهر للعيان لشدّة خفائه وفرط غموضه. ذاك لأنّ صحتنا النفسية لم تعُد ذا بالٍ أو موضع اهتمام، وإنما يتمّ إيهامنا بإيجابية مزيّفة وجعلها أداة لتطويعنا وزيادة مخرجات عملنا، ما يرفع من إنتاجيّتنا ويحسّن نوعيّتها! ولأجل تحقيق ذلك من جانب مَن يملكون وسائل الإنتاج، تصبح بيئة العمل وبحجة تلك الإيجابية «السامة» بيئة مرهقة عاطفياً؛ قوامها الاحتراق النفسي والإنهاك الجسدي. وهذا يؤدّي إلى فقدان الشغف بالعمل واستنزاف النشاط والطاقة.
وفوق هذا كله، تُسوَّق السعادة باعتبارها خياراً ذاتياً - شخصياً، ومتى ما فشل الباحث عنها في الحصول عليها، شعر بالذنب والدونية وقلة الحيلة، وتلك خطيئته وحده! هذه ناحية، وثمة ناحية أخرى، وتتمثل في إعفاء النظام الاقتصادي العالمي من مسؤولية توفير العدالة الاجتماعية وتجاهل الأزمات وسببها في التحكُّم حتى النخاع بجودة الحياة، التي أبعدوا مرماها عن الأغلبية الساحقة من البشر، من خلال الإمساك بالرفاهية من كل أطرافها، إذ يحبسون ظهورها عمَّن أُرْتِجَ عليه بابها إلى أن تضيق به السبل!
ولا يتلخّص لك الفصل بين السعادة الحقيقية والسعادة الوهمية، إلّا بما يصح من قضايا العقل من غير توهُّم، لا باللجوء إلى العُرف الجاري بين الناس؛ إذ جُلُّه صادر عن اعتقاد فاسد وفكرة كاذبة. ومن ثم إذا نظرت في أحوال سعادتك وعُدت وبدأت من جديد، وجدتها على خلاف ما حسبتها في البداية.

الأكثر قراءة